ابن فرحون
298
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
الثبات لا يهوله أمرهم ، ولا تهمه كثرتهم أصلا ، وكان منصورا عليهم في الغالب . وكان شديد المواظبة على الجهاد عظيم الاهتمام به ، ولو حلف حالف أنه ما أنفق بعد تبتله للجهاد دينارا ولا درهما إلا في الجهاد أو في الإرفاد ترغيبا في الجهاد ، لصدق وبر في يمينه ، والذي وهب من الخيل في مرج عكا عشرة آلاف رأس . وكان المسلمون في تلك الواقعة بالنسبة إلى النصارى مثل الشامة فيهم ، ولقد وصل إلى النصارى على كثرتهم نجدة جاءتهم في البحر فعدّ ما وصل إليهم في ليلة واحدة فكان نيّفا وسبعين مركبا . وهو لا يزداد إلا قوة نفس ، وثبات قلب ، ولقد انهزم المسلمون في ذلك اليوم الميمنة والميسرة والقلب ، ووقع الكوس والعلم ، وهو ثابت في نفر يسير من المسلمين قد انحاز بهم إلى الجبل ، وهو يرد الناس ويخجلهم ، ولم يزل يجمع الناس حتى ردوا على العدوّ وقتلوا منهم سبعة آلاف ما بين راجل وفارس ، ولم يزل مصابرا لهم حتى ظهر له ضعف المسلمين ، فصالح النصارى ففرحوا منه بذلك ، وكان هذا دأبه إذا رأى الغلبة له استأصلهم ، وإذا رأى الغلبة لهم صالحهم ، كل ذلك ليتوفر جيش الإسلام ويقوى . وكان رحمه اللّه سلطانا عادلا رفيقا « 1 » حليما ناصرا للضعيف على القوي ، وكان حسن الأخلاق لطيف العشرة حافظا لأنساب العرب ووقائعهم ، عالما بعجائب الدنيا ونوادرها ، وكان طاهر المجلس لا يذكر بين يديه أحد إلا بخير ، طاهر اللسان من السب والشتم ، لم يكتب بقلمه أذى لمسلم قط .
--> ( 1 ) تحرف في المطبوع إلى : ( رفيعا ) وصوابه من الأصل .